«لستَ منسيًّا»: لوحات جون ماكنوتن السّياسيّة وإشكاليّة الواقعيّة الشّعبويّة في الفنّ

single

جوزف بوشرعه

 

في مقابلةٍ أجرتها صحيفة بورتلاند بريس هارولد «Portland Press Harold» مع الفنّان الأميركيّ جون ماكنوتن «Jon McNaughton» حول فنّه، أشار الأخير في معرض الإجابة عن مواقفه السّياسيّة أنّه لم يكن مناصرًا لترامب في بداية صعوده السّياسيّ، بل كان يميل إلى تيد كروز خلال الانتخابات التّمهيديّة للحزب الجمهوريّ سنة 2016، كما كان أقرب إلى موقع المشاهد منه إلى موقع المؤيّد لترامب.

https://www.pressherald.com/2018/05/15/utah-artist-finds-his-niche-with-trump-supporters/

وبالرّغم من تحفّظه آنذاك، لا يمكن للمشاهد إلّا لحظ الصّورة البطوليّة التي يلحقها ماكنوتن بترامب في فنّه الذي اكتسب انتشارًا واسعًا في الأوساط الجمهوريّة عمومًا والتّرامبيّة خصوصًا: فيصوّره تارةً مواجهًا وسائل الإعلام بوصفها مضلّلةً أو كاذبةً، وتارةً محاميًا عن الرّجل الأبيض الأميركيّ بوصفه مظلومًا أو »منسيًّا« بسبب السّياسات »اللّيبراليّة«. ومع ذلك يرفض ماكنوتن في الوقت نفسه عدّ فنّه السّياسيّ بروبغندا، بل يصرّ على أنّ فنّه يعبّر عن نزعةٍ شعوريّةٍ خاصّةٍ تجاه السّياسة الأميركيّة (راجع مقابلته على قناة ABC Australia: Artist Jon McNaughton says Trump paintings not propaganda). وقد يظهر تصريحه متناقضًا مع فنّه، بخاصّةٍ عند مقابلته باللّوحات الأكثر إثارةً للجدل من ناحية حضور ثنائيّاتٍ أخلاقيّةٍ حادّةٍ (خير/شرّ، مسيح/شيطان، صدق/كذب إلخ.) تمثّل منطق الدّعاية التّقليديّ. ولا يقتصر التّناقض على القصديّ-الفعليّ، بل يتخطّاه إلى القصديّ-الأسلوبيّ، وتحديدًا في إصرار ماكنوتن على اعتماد الواقعيّة أسلوبًا فنّيًّا، ما يجعلها تبدو وكأنّها تهكّمٌ إذا جرّدناها من إطارها السّياسيّ الملتزم، واكتفينا بتحليلها كما هي عليه، عنيتُ تحليلًا ذاتيّ المرجع.

بروبغندا حزبيّة-قوميّة؟

لطالما شكّل سؤال البروبغندا إشكاليّةً في نقاشات الفنّ الحديث؛ وفي هذا الإطار غالبًا ما تتبادر إلى الذّهن مقولة أورويل الذّائعة المعروفة »كلّ فنّ هو بروبغندا«. وإذا سلّمنا بمفهومٍ موسّعٍ لمصطلح »البروبغندا«، فلا شكّ بأنّ ممارسة الفنّ تحتّم التزامًا عقائديًّا عند الفنّان، وهو ما يظهر في فنّه إمّا مضمرًا أو معلنًا. خذ مثلًا جوتو «Giotto» (1267-1337) »كان بروبغنديًّا لصالح روح الإحسان المسيحيّ الذي شكّل في أيّامه سلاحَ الرّهبان الفرنسيسكان ضدّ الظّلم الإقطاعيّ.« (Rivera: 1974, 64). ولكنْ ثمّة اختلافٌ بين ما يريد الفنّان قوله، أي تصوّره للوجود والمجتمع، وبين ما يُراد من الفنّان قوله، أي وظيفة نقل تصوّرٍ للوجود والمجتمع قد يكون الفنّان ملتزمًا به أو لا. هنا يصعب إدراج الاتّجاهين تحت صنف البروبغندا، فالأوّل إبداعٌ، بينما الثّاني أداةٌ، وفي سياق الصّراع السّياسيّ سلاحٌ.

تسليم المفاتيح (1482)، بريشة بيترو بيروجينو. على المستوى السّطحيّ تجسّد اللّوحة ما جاء في الفصل 16 من إنجيل متّى (17-19): المسيح يمنح مفاتيح السّماء إلى بطرس (البابا الأوّل) بوصفه »الصّخرة« التي ستُبنى عليها الكنيسة. وعلى المستوى الأيديولوجيّ تروّج اللّوحة لفكرة البابويّة (كرسيّ بطرس)، وتاليًا الكنيسة الكاثوليكيّة بوصفها صاحبة المفتاحَيْن: الزّمنيّ والرّوحيّ.

ولعلّ الواقعيّة الاشتراكيّة «Socialist realism» التي هيمنت على الفنّ السّوفيتيّ هي المثل الأوضح عن البروبغندا في الفنّ بمعناها الدّقيق، حيث الفنّ لا يتجاوز الزّمن، بل هذا دور الفكرة التي يعبّر عنها. والفكرة هي الشّيوعيّة بوصفها المستقبل المثاليّ الذي يجب على المواطنين السّوفيِت التّكاتف حوله. فقد انحصر تعريف الواقعيّة السّوفيتيّة بتوصيف الواقع حسّيًّا ومادّيًّا، انطلاقًا من المنهج الدّياليكتيكيّ الماركسيّ للتّاريخ، وعليه التزم الفنّان السّوفيتيّ بتمثيل الواقع كما هو مادّيًّا وتمثيله أيضًا في إطاره الثّورويّ الشّيوعيّ، بعدّه تحقيقًا لأفضل واقعٍ إنسانيٍّ ممكنٍ. هذا »الواقع الجديد« الذي يصوّره فنّ الاشتراكيّة الواقعيّة تغاضى عن حملات التّطهير السّياسيّ الذي أطلقها ستالين، فضلًا عن السّياسات القمعيّة التي طبّقتها الدّولة السّوفيتيّة باسم هذا »الواقع«. لم يكن هؤلاء الفنّانون مبدعين بقدر ما كانوا أبواقًا للأيديولوجيا الرّسميّة للدّولة، إذ إنّهم، وفق تعبير بروخوروف »ضحّوا بالفنّ لصالح المثال الطّوباويّ« (Prokhorov: 1995, 34).

الرّفيق ستالين وفتاة (1952)، بريشة فيودور ريشيتنيكوف، تلخّص هذه اللّوحة غاية الفنّ في الواقعيّة الاشتراكيّة: يصوّر الفنّان الواقع الجديد باستثارة العواطف الإنسانيّة كالرّأفة (احتضان ستالين للفتاة)، وتاليًا تؤثّر هذه المشاعر على وعي المشاهد الذي يؤوّل بدوره الواقع الشّيوعيّ انطلاقًا من هذا التّصوّر الفنّيّ له. واللّوحة مستلهمةٌ من عناق ستالين لفتاةٍ تُدعى غليا ماركيزوفا «Gelya Markizova» سنة 1936، علمًا أنّ والد غليا قد أعدمه ستالين في أثناء حملات التّطهير السّياسيّ، ثمّ توفّيت والدتها في ظروفٍ غامضةٍ، وهو ما يعكس الجانب اللّاإنسانيّ لجماليّات الواقعيّة الاشتراكيّة. 

وفيما ركّز الشّيوعيّون على إبراز تفوّق الشّيوعيّة (والاتّحاد السّوفيتيّ) والتّركيز على »العامل« أو البروليتاريا بوصفه محور العمل الفنّيّ وغايته المتمثّلة بالتّحرّر الطّبقيّ، شهد الفنّ في الغرب اتّجاهًا معاكسًا تمثّل بما بعد الحداثة، والخروج عن الواقعيّة إلى التّجريد الجزئيّ أو الكلّيّ، بخاصّةٍ في حركة »التّعبيريّة التّجريديّة« «Abstract Expressionism». »فقد عدّ السّوفيت ومعظم الأوروبيّين أميركا بيداء ثقافيّةً [...]، وحرصًا على إبراز فنٍّ يوازي عظمة أميركا وحرّيّتها، تدارك كبار الاستراتيجيّين أنّهم لا يستطيعون دعمه [أي الفنّ الحداثيّ التّجريديّ]، نظرًا لوجود معارضةٍ داخليّةٍ. فماذا فعلوا؟ لجأوا إلى وكالة الاستخبارات المركزيّة (CIA). وهكذا بدأت معركة إثبات قيمة التّعبيريّة التّجريديّة في مواجهة نزعات تشويهها« (Saunders: 2000, 257). ولا عجبَ أنْ تدعم وكالة الاستخبارات الأميركيّة الفنّ الحداثيّ غير الهيئانيّ «non-figurative» في سياق الحرب الفنّيّة الباردة، إذ شكّل لهم وفق سوندرز »أيديولوجيا معاديةً للشّيوعيّة، بل عبّر تحديدًا عن أيديولوجيا الحرّيّة واقتصاد السّوق الحرّ. ونظرًا لخلوّه من الهيئة والسّياسة اعتُبر النّقيض التّامّ للواقعيّة الاشتراكيّة. هذا هو الفنّ الذي مقته السّوفيت. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ عدّه المدافعون عنه إسهامًا أميركيًّا في صلب الحداثة الفنّيّة. ومنذ العام 1946 راح النّقّاد يشيدون بهذا الفنّ بوصفه: مستقلًّا، ومكتفيًا بذاته، وتعبيرًا حقًّا عن الإرادة الوطنيّة وروحها وطابعها.« (Saunders: 2000, 254). 

موبي ديك (1943)، بريشة جاكسون بولوك. عنوان اللّوحة مستمدٌّ من رواية هيرمان ميلفيل التي تحمل العنوان نفسه. وبالرَّغم من وجود أشكالٍ تمثّل حياةً بحريّةً، لا يظهر في اللّوحة شكل حوتٍ (موضوع رواية ميلفيل). بيدَ أنّ تنويع بولوك في الألوان (الأصفر الفاقع مع الأسود والأبيض مقابل الأزرق) ليس سوى تأكيدٍ على ديناميكيّة هذه الحياة البحريّة، وصعوبة التقاطها أو إدراكها (تمامًا كصعوبة اصطياد الحوت موبي ديك).

بالفعل وسمت التّعبيريّة التّجريديّة الحركة الجماليّة الأميركيّة بطابعها، حتّى باتت هي نفسها حركةً أميركيّةً أصيلةً. ولن نغالي إذا قلنا إنّها المرة الأولى التي تتمايز فيها الجماليّات في الولايات المتّحدة عن التّقليدَين الأوروبيّ والسّوفيتيّ. لكنّ المساحة الفنّيّة، كحال المساحات الأكاديميّة والمهنيّة والعلميّة، باتت عرضةً للتّسييس تحت ضغط وسائل التّواصل الاجتماعيّ، فضلًا عن تلاشي الاعتدال والوسطيّة، وبروز الشّعبويّة (في شكليها اليساريّ واليمينيّ) تلبيةً لنزعة الاضطغان  «Ressentiment»المتزايدة بين الفئة الشّابة. وفي هذا السّياق يبرز جون ماكنوتن فنّانًا واقعيًّا يمثّل فنّه خروجًا، بل انسلاخًا عن عفويّة التّعبيريّة التّجريديّة. والحقّ أنّ واقعيّة ماكنوتن وزعمه أنّها تعبّر عن ذاتيّةٍ إزاء الحالة السّياسيّة الأميركيّة تطرح إشكاليّة التّمييز بين التّعبير عن الشّعور الذّاتيّ (إعجابٌ بطروحات ترامب) من جهةٍ والدّعاية السّياسيّة (التّرويج لسياسات ترامب وتجميلها) من جهةٍ أخرى. فلا تكتفي واقعيّة ماكنوتن بتصوير الواقع، بل تعيد تركيبه، إذا ما جاز التّعبير، وتاليًا تتحوّل من أداة تمثيلٍ إلى أداة إقناعٍ (والإقناع وظيفة الفنّ الدّعائيّ). خذ مثلًا لوحة أنتم إعلامٌ كاذبٌ «You are Fake News».

أنتم إعلامٌ كاذبٌ (2020)، بريشة جون ماكنوتن.

يصوّر ماكنوتن وسائل الإعلام بلباس مهرّجين حاملين ميكروفوناتهم كأنّها حرابٌ أمام ترامب الذي يظهر ممشوقًا ووحيدًا في مواجهتهم. فاللّوحة تركّب ثنائيّتين أخلاقيّتين: الصّدق المتمثّل بترامب (وتصريحاته) والكذب المتمثّل بالإعلام (الذي يحرّف تصريحات ترامب)، وتاليًا يتخطّى هذا التّصوير الحالة الشّعوريّة التي يزعم ماكنوتن أنّه يجسّدها في فنّه؛ لأنّ الثّنائيّات تفترض إدراكًا واعيًا وحكمًا أيديولوجيًّا على الواقع المحايد. فكّر مثلًا بالدّعايات النّازيّة التي تصوّر اليهود بأشكالٍ بشعةٍ مقابل الألمانيّ الأبيض. وهذا »التّشويه« يدخل في إطار التّغريب «othering»، أي وسم المختلف سياسيًّا بالآخر، وهو ركيزة البروبغندا الحزبيّة. لكنّ لوحات ماكنوتن الواقعيّة لا تتوقّف عند التّحزبيّة، بل تشمل القوميّة أيضًا، مثل لوحة حالة طوارئ وطنيّة «National Emergency» التي تصوّر ترامب متّخذًا وضعيّة الصّلاة على الجانب الأيمن من اللّوحة، فيما يشغر يسارها حتّى وسطها سياسيّون ديمقراطيّون يدعسون على العلم الأميركيّ حاملين أعلام دولٍ مناهضةٍ للولايات المتّحدة (علم الصّين يحمله بيرني ساندرز وعلم إيران تحمله ماكسين واترز)، أو أقلّه أعلامًا غير أميركيّةٍ (المكسيك، الاتّحاد الأوروبيّ، والأمم المتّحدة).

حالة طوارئ وطنيّة (2019)، بريشة جون ماكنوتن.

هذا الفعل الشائن، فضلًا عن الأعلام التي يحملونها، يشير إلى انتماءٍ أيديولوجيٍّ تسمّيه الشّعبويّة التّرامبيّة وأدواتها الإعلاميّة عولميّةً «Globalism»، وهي تضمّ وفق هؤلاء: الشّيوعيّة، والتّعدّديّة، والسّوق العالمّية الحرّة إلخ. (علمًا أنّ الديمقراطيّين، حتّى الشّعبويّين منهم، كحال الجمهوريّين والترامبيّين، هم نتاج الرّأسماليّة اللّيبراليّة الأميركيّة وبعيدون تمامًا عن الفكر الشّيوعيّ الصّينيّ أو التّعدّديّ الأوروبيّ). فاللّوحة تلبّي مطلبين: عدوًّا داخليًّا متمثّلًا بالدّيمقراطيّين، وعدوًّا خارجيًّا متمثّلًا بالأعلام، وتاليًا تكون البروبغندا نفسها على مستويين أيضًا. وليس التّغريب سوى استجابةٍ لحاجةٍ أيديولوجيّةٍ تتمثّل بـ »دعم نزعةٍ حمائيّةٍ متجذّرةٍ في الأصلانيّة الأميركيّة. هذه النّزعة الأصلانيّة التي تُعدّ إحدى ركائز اليمين المتطرّف الأميركيّ، تسندها الأصوليّة المسيحيّة، والنّزعة الجماعاتيّة، فضلًا عن ثقافة السّلاح. وتؤدّي هذه العناصر الأربعة دورَ وسائطَ لنقل الوطنيّة الأميركيّة كما يراها مناصرونها في هذا الإطار الأيديولوجيّ." (Gomez Fernandez: 2024, 79)

والحقّ تشكّل الواقعيّة الشّعبويّة النّظير الأميركيّ للواقعيّة الاشتراكيّة زمن الاتّحاد السّوفياتيّ، مع استثناء الدّعم الرّسميّ. غير أنّ الواقعيّة الاشتراكيّة، وإنْ هدفت إلى إقناع المشاهد وتوجيه وعيه، فقد انحصرت مواضيعها البصريّة بالعامل السّعيد والفلّاحين المكتفين ذاتيًّا، فضلًا عن تصوير لينين بشتّى المشاهد الحركيّة التي عادةً ما تحمل دلالات التّقدّم أو الانتفاضة على الظّلم، أي أنّ واقعيّتها لم تكن محصورةً بالأسلوب فحسب. في المقابل، يتناقض هذا التّصوير مع مَيْل ماكنوتن إلى استخدام الصّور الميتافيزيقيّة (المسيحيّة)، فضلًا عن اللّجوء إلى التّّكثيف الرّمزيّ والمبالغة التّعبيريّة، فتبدو اللّوحة للنّاظر وكأنّها تهكّمٌ غير مقصودٍ.

تهكّميّة أم وعي ذاتي؟

تفترض الإستطيقا الواقعيّة وجود خصائصَ جماليّةٍ في الموضوعات والمصنوعات الطّبيعيّة، ولا نعني بالطّبيعيّة تلك العناصر الموجودة في الطّبيعة، بل الأشياء كما هي عليه سواءٌ أكانت طبيعيّةً أم بشريّة المنشأ. و»تتطابق أطروحةٌ كهذه مع حدسٍ مضادٍّ للأفلاطونيّة يتصوّر أنّ للخاصّيّات الفيزيائيّة شكلًا من الأولويّة الأنطولوجيّة على أيّ نوعٍ آخر من الخاصّيّات؛ ولكنّ هذه الأطروحة تواصل الإقرار بأنّ المعرفة الإنسانيّة لا تُختزل بالضّرورة في حدود معرفةٍ علميّةٍ بخاصّيّات الواقع الفيزيائيّة. ولها أيضًا مزية تبرير المعياريّة المتجلّية في ممارستنا الإستطيقيّة المشتركة: إذ يمكن أحكامنا وتجاربنا الإستطيقيّة، إن كانت الأوضاع مناسبةً، أنْ تمثّل وقائع مستقلّةً عن ذهننا، بحيث لا تكون فيه تابعةً لا إلى ميولاتٍ ذاتيّةٍ ولا إلى حالةٍ ذهنيّةٍ خاصّةٍ.« (ريهو: 2022، 558).

الرّجل المنسيّ (2010)، بريشة جون ماكنوتن.

ولكنْ ماذا لو أُدخلت الرّمزيّة إلى الواقعيّة، وانحصرت الأخيرة في الأسلوب؟ هذه هي واقعيّة ماكنوتن. والحقّ أنّ رمزيّته غالبًا ما تستلهم الأليغوريا المسيحيّة، على سبيل المثال لوحة لست منسيًّا «You are not Forgotten». وتأتي هذه اللّوحة كردٍّ على لوحةٍ رسمها ماكنوتن في أيّام ولاية أوباما عنوانها الرّجل المنسيّ «The Forgotten Man»، حيث صوّر فيها أوباما يدوس على الدّستور الأميركيّ متجاهلًا رجلًا أبيض البشرة. في المقابل تصوّر لوحة لست منسيًّا الرّجل نفسه يغرس نبتةً تمثّل الأمل أو الانبعاث، فيما ترامب واقفًا فخورًا يدوس على رأس أفعى تمثّل الشّرّ وحولهما جموعٌ من »الوطنيّين« من شرطةٍ، وجنودٍ، ومحاربين قدامى....

لستَ منسيًّا (2017)، بريشة جون ماكنوتن.

لا يخفى على أحدٍ الرّمزيّة المسيحيّة في اللّوحة، بخاصّةٍ في فعل "الدّهس على الأفعى"، وهي صورةٌ دائمةُ الحضور في الإيقونوغرافيا المسيحيّة عمومًا، والمريميّة خصوصًا، حيث تُصوّر العذراء، أي حوّاء الجديدة في التّقليد المسيحيّ، داعسةً على الأفعى بدلًا من الاستماع لها. وعليه يتّضح هنا معنى الأفعى المزدوج: الشّرّ الميتافيزيقيّ المطلق والشّرّ السّياسيّ المتمثّل بمعارضي ترامب المُمثّلين بلوحة الرّجل المنسيّ الذين قوّضوا الدّستور، وظلموا الرّجل العامل الأبيض. وأحيانًا تكون الرّمزيّة المسيحيّة عند ماكنوتن فاقعةً مثل لوحة أمّةٌ واحدةٌ تحت أعين الرّبّ التي تمثّل باكورة أعماله الفنّيّة السّياسيّة، وفيها نجد المسيح متوسّطًا اللّوحة حاملًا بيده اليمنى الدّستور الأميركيّ ومؤكّدًا في الوقت نفسه على ارتباط القيم والمبادئ المسيحيّة بالقيم والمبادئ التي يدافع عنها الدّستور، ما يشير حُكمًا إلى مسيحيّة الدّولة الأميركيّة. هذا المنطلق التّأسيسيّ الدّينيّ للولايات المتّحدة يجدّد التّقسيم التّحزّبيّ: من يمين المسيح أسفل اللّوحة نجد الجنديّ والأمّ، فضلًا عن نفرٍ من الأشخاص الذين يتّخذون وضعيّة الخشوع، ويقابلهما في أسفل يسار المسيح أشخاصٌ لامبالين، بل نادمين مثل القاضي الذي يغطّي وجهه ندمًا إلى جانب امرأةٍ حاملةٍ في مشهدٍ يشير بوضوحٍ إلى الحقّ في الإجهاض، وتاليًا يضعه في خانة سوء استخدام الحرّيّة التي كفلها الدّستور الأميركيّ.

أمّةٌ واحدةٌ تحت أعين الرّبّ (2009)، بريشة جون ماكنوتن.

إذًا لا ريبَ أنْ تجذب لوحات جون ماكنوتن الشّارع الذي تتوجّه إليه أساسًا، أي الشّارع الممتعض من العمليّة السّياسيّة الأميركيّة كلّها، بل بات يعيش في حالة اغترابٍ اجتماعيٍّ فيها «Social alienation». لكنّ المشكلة لا تقتصر على استخدام الرّمزيّة الدّينيّة، إنّما توظيفها المبالغ فيه، إذ يختلط المقدّس بالسّياسيّ اختلاطًا يؤدّي إلى تقويض فكرة اللّوحة عوضًا عن تدعيمها، وكأنّ اللّوحة لا تأخذ نفسها على محمل الجدّ. وهذا ما يدفع إلى عدّها تهكّمًا، حيث تثير مبالغتها السّخرية والاستهزاء أكثر من التّفكير الجدّيّ بأفكارها، كأنّها تسترجع البروبغندا الرّأسماليّة الأميركيّة زمن الحرب الباردة التي اعتمدت على تكثيف المبالغة الصّوريّة لإبهار المشاهدين. ولا شيءَ أكثر إبهارًا من إعادة تدوير بروبغندا الجيش الأميركيّ في إطارٍ سياسيٍّ حزبيٍّ مثل لوحة الرّائعون السّبعة «The Magnificent Seven».

الرّائعون السّبعة (2021)، بريشة جون ماكنوتن.

يكرّر ماكنوتن استخدام الرّمزيّة المسيحيّة بتصوير ترامب بلباسٍ عسكريٍّ يدوس على الأفعى مُحاطًا بعددٍ من الرّؤساء الأميركيّين الذين ساهموا بحسب ماكنوتن في تكوين عظمة الولايات المتّحدة. وتظهر مبالغة ماكنوتن في إظهارهم بالزّيّ العسكريّ الأميركيّ المعاصر، على خلفيّة أرضٍ محروقةٍ، ما يجعل اللّوحة أقرب إلى كاريكاتور ملحميٍّ. ولعلّ التّضخيم جزءٌ من الوعي الذّاتيّ؛ لأنّ الإقناع الفعّال عادةً ما يكون مضمرًا في البروبغندا، بينما نجده عند ماكنوتن مطروحًا علنًا، بل متفاخرًا بذاته. وفي هذا الإطار يتّضح عنوان اللّوحة: الرّائعون السّبعة، وهو إشارةٌ واضحةٌ إلى فيلم الرّائعون السّبعة (سنة 1960)، حيث تتّحد مجموعةٌ من سبعة أفرادٍ مميّزين من خارج المؤسّسة الأمنيّة الرّسميّة دفاعًا عن بلدةٍ ضعيفةٍ في زمن فوضى الغرب الأميركيّ. وإذا بدت هذه القراءة كلّها متناقضةً، فذا لأنّ التّناقض هنا هو سمةٌ بحدّ ذاته.

أمّةٌ واحدةٌ تحت حكم الاشتركيّة (2012)، بريشة جون ماكنوتن.

هكذا إنّ واقعيّة ماكنوتن الشّعبويّة تقف على هامش الدّعاية، ففي سعيها إلى تثبيت معنًى واحدٍ تؤدّي إلى إنتاج فائضٍ من المعاني بفعل التّكثيف الرّمزيّ، ما يفتح مجالًا أمام التّهكّم. وإذا كانت البروبغندا الفعّالة تهدف إلى إقناع المشاهد على نحوٍ مضمرٍ، فلوحات ماكنوتن السّياسيّة تظهر فكرتها على نحوٍ مفرطٍ، إذ تنكشف الفكرة بصفتها صورةً متضخّمةً عنها. وانطلاقًا من هذا الانكشاف المفرط، يتحوّل الفنّ من فضاءٍ للتّأمّل والتّساؤل إلى أداةٍ للتّعبئة والتّوكيد، وبدلًا من تعزيزه قوّة الإقناع يفضح هشاشة الفكرة، وتاليًا يتحوّل العمل الفنّيّ إلى كاريكاتور عوضًا عن الواقعيّة التي يدّعي تصويرها. وعلى الرّغم من هذه الهشاشة، ما زالت لوحات ماكنوتن محطّ إعجابٍ لدى الكثيرين. ففي مقابلته مع بوليتيكو «Politico» أشار إلى أنّه يبيع ما بين 10,000 و20,000 نسخةٍ مطبوعةٍ من لوحاته، فيما اللّوحة الأصليّة تبلغ حدود 300 ألف دولار (Lippman: 2022, He rose to fame painting Trump realism. He is doing just great with him gone. - POLITICO). وإذا دلّ هذا الإعجاب الشّعبيّ بفنّ ماكنوتن على شيءٍ، فهو يشير إلى انحدار التّذوّق الفنّيّ عند الأميركيّين في عصر التّجييش الشّعبويّ.

 

المصادر

- قاموس الإستطيقا وفلسفة الفنّ، هيئة البحرين للثّقافة والآثار: المنامة، ط 1، 2022، مادّة واقعيّة إستطيقيّة.

References

Books

- Prokhorov, Gleb, Art under Socialist Realism, Soviet Painting 1930-1950, Craftsman House: 1995.

- Rivera, Diego, The Revolutionary Spirit in Modern Art, in Social Realism: Art as a Weapon, edited by Shapiro, David, Frederick Ungar Publishing: New York, 1973, pp. 54-65.

- Saunders, Francis Stonor, The Cultural Cold War: the CIA and the World of Arts and Letters, The New Press: New York, 2000.

Articles

- Gomez Fernandez, Eva, Through the Swamps of God: Jon McNaughton’s political paintings, In Sphera Publica, Catholic University of Murcia: 2024, No. 24, Vol. 1, pp. 64-83.

- Hesse, Monica, Utah Artist finds his Niche with Trump Supporters, 2018. https://www.pressherald.com/2018/05/15/utah-artist-finds-his-niche-with-trump-supporters/?utm_source=chatgpt.com?copylink=true

- Lippman, Daniel, He Rose to Fame Painting Trump Realism. He is Doing just Great with him Gone, 2022. He rose to fame painting Trump realism. He is doing just great with him gone. - POLITICO 

Interviews

Artist Jon McNaughton says Trump paintings not propaganda

 

المنشورات ذات الصلة

featured
Sart
Sart
·17-12-2023

شاعريّة المكان بين التّجلّي والتّخلّي: واقعيّة طه حسين وسرياليّة سلفادور دالي

featured
Sart
Sart
·20-12-2023

البراديغم الجماليّ

featured
Sart
Sart
·17-01-2024

سارت: أفقٌ رحب للفنون والجماليّات

featured
Sart
Sart
·23-01-2024

الفنّ التشكيلي الفلسطيني: ثوب كنعاني يحاول الاحتلال تمزيقه